بقاء الشريعة بالحسين عليه السلام
بقاء الشريعة بالحسين عليه السلام

0 Vote
313 View
لقد كانت نهضة الحسين (ع) الجزء الأخير من العلّة التامّة لاستحكام عروش الدِّين ؛ حيث إنّها فرّقت بين دعوة الحقِّ والباطل ، وميّزت أحد الفريقين عن الآخر حتّى قيل : إنّ الإسلام بدؤه محمديّ وبقاءه حسينيّ ؛ ولذلك لمْ يجد أئمّة الهدى وسيلة لنشر أمرهم في الإصلاح ، ونفوذ كلمتهم في إحياء شرع جدّهم الأقدس (ص) إلا لفت الأنظار إلى هذه النّهضة الكريمة ، لمّا اشتملت عليه من فجائع تفطر الصخر الأصم ، ويشيب لها فود الطفل ، ويذوب الفؤاد . فطفقوا (عليهم السّلام) يحثّون الاُمّة على تأييدها ، والقيام بذكر ما لاقاه شهيد الإصلاح من القسوة والإضطهاد ، وإعلام الاُمّة بما حدث في تلكم المشاهد الدمويّة من مظلوميّة الحسين وأهله وذويه(ع) ؛ لأنّهم صلوات الله عليهم علموا أن في إظهار مظلوميّته مجلبة للعواطف ، واسترقاقاً للأفئدة . فبطبع الحال ، يتحرّى السامع لتلكم الفجائع الوقوف على مكانة هذا المضطهد ، وأسباب ما ارتُكب منه من أعمال قاسية ، ويعلم أن سبط النبوّة إمام عدل لم يرضخ للدنايا ، ولم يصخ إلى دعوة المبطلين ، وأن إمامته موروثة له من جدّه (ص) وأبيه (الوصي) (ع) ، وأنّ من ناواه لا يملك من منصّة الخلافة موضع قدمه ، وكذا كلّ مَن حذا حذوه وذهب على شاكلته . وإذا عرف السّامع هذا ، وعلِم أنّ الحقَّ كلَّه في جانب الحسين ومن خلفه من أئمّة الدِّين (عليهم السّلام) ، لمْ تدع له عقليته إلا السّير معهم ، واعتناق طريقتهم المثلى ؛ وبذلك تتوطد اُسس السّلام والوئام . لقد أقعدت السّلطة الغاشمة من بني اُميّة وبني العبّاس أهل البيت (عليهم السّلام) في دورهم ، وأوصدت عليهم أبواب الإجتماع بشيعتهم ، فلاقوا منهم ضروب الأذى والتنكيل ؛ فآثروا العزلة على الخروج بالسّيف في وجه دعاة الباطل ، مع ما يشاهدونه من تمادي اُولئك في الطغيان ، وظلم شيعة أمير المؤمنين (ع) وأبنائه ، وتتبعهم تحت كلّ حجر ومدر ، وإبادتهم العلويين من جديد الأرض . وكان بمرأى منهم بناء المنصور والرشيد الإسطوانات على ذريّة فاطمة (عليها السّلام) ، ظلماً وعدوانا(1) . ولكن لم يفُتْهم الجهاد الأكبر بتحريض شيعتهم على عقد المحافل(2) لذكر ____________________________ (1) عيون أخبار الرضا(ع) 2 / 102 . (2) عقد المحافل للتذكير بتلك الفاجعة المؤلمة لا يقتصر فيه على ذكرها في البيوت فقط ، فإنه خلاف إطلاق الأخبار . ففي أمالي الصدوق / 131 عن الرضا (ع) : (( مَن ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تبكي العيون )) . وفي قرب الإسناد / 26 عن أبي عبد الله (ع) : (( مَن ذكرنا أو ذُكرنا عنده ، فخرج من عينه مثل جناح الذباب ، غفر الله ذنوبه )) . وفي كامل الزيارات / 100 عن أبي هارون المكفوف عن أبي عبد الله (ع) وفيه : (( مَن ذُكر الحسين (ع) عنده ، فخرج من عينه من الدموع مقدار جناج الذباب ، كان ثوابه على الله ، ولم يرضَ له بدون الجنة )) . وهذه الأخبار ونظائرها الكثير تحث بعمومها على كل وسيلة يتذكر بها مصاب الحسين ، أو مصاب أهل البيت (عليهم السّلام) ، سواء في ذلك عقد المأتم ، أو بذل المال لأجله ، أو نظم الشعر ، أو كتابة تلك الفوادح أو تدوينها أو إنشاد ما جرى عليهم ، أو تصوير تلك الفاجعة أمام الناس بكل مظهر من مظاهره ، فإن الجامع لهذه الانحاء قوله (ع) (( مَن ذكّر بمصابنا )) . الصفحة (96) حادثة الطفِّ الخالدة وتواصل الإستياء ؛ لِما هنالك من فجائع ومصائب ، وإسبال الدموع لكارثتها المؤلمة . وأكثروا من بيان فضل ذلك إلى حدٍّ بعيد ؛ لأنّهم علموا أنّ هذا هو العامل القوي في إبقاء الرابطة الدينيّة ، التي لأجلها لاقى أمير المؤمنين (ع) ما لاقاه ، وأصاب ولده الحسن (ع) ما أصابه . ومصاب الحسين (ع) يدكدك الجبال الرواسي . فكان أهل البيت (عليهم السّلام) يتحرون أساليب مختلفة من البيان ، توجب توجيه النّفوس نحو التذكارات الحسينيّة ؛ لِما لها من العلاقة التامّة لحفظ المذهب عن الإندراس ، فعبّروا عنها بالعموم تارة ، وبالخصوص اُخرى . يقول الإمام الصادق (ع) : (( رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا ، فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما . وما اجتمع إثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة ، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر ، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم احياءنا ، وخير النّاس من بعدنا مَن ذاكر بأمرنا ، ودعا إلى ذكرنا ))(1) . ويقول(ع) للفضيل بن يسار : (( تجلسون وتحدثون ؟ )) قال : نعم ، جعلت فداك . قال(ع) : (( إنّ تلك المجالس اُحبّها ، فأحيوا أمرنا يا فضيل ، فرحم الله من أحيا أمرنا ))(2) . ويقول (ع) أيضاً (( مَن جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ))(3) . فالأئمّة (عليهم السّلام) أرادوا بهذا النّحو من البيان حمل الاُمّة على الإعتقاد بإمامتهم ، وما أوجبه المولى سبحانه من عصمتهم ، وما أهّلهم له من الفضائل والفواضل ، وأنّ الدعوة إليهم ملازمة لاعتقاد خلافتهم دون من اغتصب ذلك المنصب الإلهي . إنّ التذكارات الحسينيّة على اختلاف صورها ؛ من عقد العزاء والمآتم(4) ____________________________ (1) أمالي الشيخ الطوسي / 224 . (2) قرب الإسناد / 36 . (3) أمالي الشيخ الصدوق / 131 . (4) في مصباح المجتهد / 772 ، وكامل الزيارات / 174 عن مالك الجهني : إن الامام الباقر (عليه السّلام) كان يقول في يوم عاشوراء (( . . . ثمّ ليندب الحسين (ع) ويبكيه ، ويأمر مَن في داره ـ ممّن لا يتّقيه ـ بالبكاء عليه ، ويقيم في داره المصيبة باظهار الجزع عليه ، وليعزِّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين (ع) ، وأنا الضامن على الله لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم ثواب ألفي ألف حجة وعمرة وغزوة مع رسول الله والأئمة الراشدين عليهم السلام )) . بتصرّف . الصفحة (97) واللطم(1) في الدور والشوارع أوجبت تقدّم الطائفة ، وكان عمل الشبيه أوضح المصاديق والحجج على القساوة التي جاء بها الاُمويّون ولفيفهم من تلاوة الشعر . وإنّ ذكر المصاب ؛ لتسرب ذلك بوضوح إلى أدمغة الأطفال والعامّة ، الذين لا يفهمون ما يشتمل عليه القريض والكتب من دقائق الحادثة ، هو أحكم وآكد في تأثّر النّفوس ، واحتدام القلوب في حفظ الروابط المذهبيّة بين الأئمّة (عليهم السّلام) ومواليهم ، وله نصيب وافر في رسوخ العقيدة . ولقد قلّد الشيعة في تمثيل فاجعة الطفِّ غيرهم من الهنود وبعض فرق الإسلام ، وهم في الهند أكثر رواجاً من جميع الممالك الإسلاميّة(2) . فكان لفت الأنظار نحو هذه التذكارات ، والإعتناق بها أمسّ في إحياء أمر المعصومين(ع) ، المحبوب لديهم التحدّث والتذاكر فيه . ولعلّ جملة من هذه الفوائد لا تفهم الاُمّة منها النكتة المهمّة ، بل غاية ما يتصوّرون من فائدة عملهم ، هو الثواب عليه في الآخرة فقط ، ولكنّ الواقف على أسرار أهل البيت (عليهم السّلام) ، والمستشرف لمغازي أقوالهم وأفعالهم يتجلّى له ما ألمعوا إليه من هذه النّوادي والمجتمعات ، وحثّوا شيعتهم عليه بمزيد لطفهم وواسع علمهم www.erfan.ir
العناوين ذات الصلة

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء الثاني عشر

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء الحادي عشر

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء العاشر

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء التاسع

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء الثامن

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء السابع

سيرة الحسن (عليه السلام) في الحديث والتاريخ الجزء السادس