موقع ليلة القدر ورمزيتها في امتداد الزمن،
موقع ليلة القدر ورمزيتها في امتداد الزمن،
0 Vote
16 View
الشيخ غسان عبد الله شانها شان كل مفهوم يحاكي الغيب فيختلف فيه النظر وتتعدد حوله الآراء اقترنت ليلة القدر في الوعي الإسلامي الساذج من خلال الموروث الشعبي الدخيل على الواقع الثقافي والمزاج الديني بخضوع عالم التكوين بكل تجلياته لعظمة الخالق تعالى ليكون تعبيرا عن حالة الفوز والرضوان وثمرة من ثمرات ابتهالاته وخضوعه لرب العالمين وغدت ليلة القدر زمانا يتخفف فيه الإنسان من كل ما جناه على نفسه وما اقترفته يداه في مسحة ربانية حانية دون أن يسبقها جهد وعناء أو يلحقها قرار والتزام. التخلف الثقافي وانقلاب المفاهيم: ولكن من أين تسللت هذه المفاهيم إلى واقعنا الإسلامي فأصبحنا نطلب "المغفرة السهلة والانتصارات السهلة"وبتنا نستنسخ الشخصية المتواكلة الخاملة التي تتطلب المغفرة بدون عناء والنصر بدون إعداد فتوالت علينا النكبات وأحاطت بنا الهزائم عدا إمضاءات لامعة في سماءنا المظلم ومع ذلك يحاول الكثيرون إخافتها وإذا كان للثقافة الدخيلة على الواقع الإسلامي بفعل التداخل المعرفي أو ما يسمى بالمعرفة المتبادلة واحتكاك المسلمين بثقافات متعددة دور في تعزيز التشوُّه الثقافي فإنّ للأمِيَّةِ الدينية وما تنسجه من وحي الخيال والتصور ليكون مع الوقت واقعا وحقيقة، مع غياب تام لعنصر الترشيد الديني وحالة النقد الجاد للتراث الثقافي والابتناء المعرفي ومحاكمة الثقافة الوافدة دور في هذا الابتناء، فأُفرغ الدين من محتواه وتحوَّل إلى طقوس جامدة وقوالب فارغة من المحتوى والمضمون مما يستلزم إعادة النظر والتصويب للكثير من المفاهيم التي اعتلاها التشوُّهُ نتيجة لذلك والنظر في مدى ملاءمتها مع البعد الإسلامي في نظرته للقيم وتقييمه للعمل والسلوك وبرنامجه العملي لبناء الإنسان والحياة. الإسلام عقيدة وعمل: والدين في مفهومنا ليس ابتهالات روحية حالمة في فضاء الغيب وليس مسلكا لاهوتيا يحلق في عالم المثال دون الاقتراب من ساحة الواقع والحياة، وليس منهجا نظريا أو تصورا فلسفيا يعيش في دائرة التنظير دون ملاحقة مفردات الحياة إنَّهُ عقيدة وسلوك وعمل ومنهج حياة يلائم بين المادة والروح بين الدنيا والآخرة بين القول والعمل بين النظرية وعالم التطبيق وقد جاء عن علي (ع) قوله :"فليس الإيمان بالتمنِّي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل". وللعمل في المفهوم الإسلامي بُعد يتجاوز حدود المادة إلى فضاء الروح والمعنى، على أساس نظرته إلى الأبعاد الوجودية للكون والحياة التي تتجاوز حدود المادة لتطل على عالم الغيب بكل إيحاءاته وآثاره في حركة الكون، ما يشكِّل حافزا للإنسان على البحث والاكتشاف لحقائق عالم الوجود والسبر في أغوار السنن والتاريخ فإنّها باجمعها آيات للحراك الفكري والارتقاء النظري { ...إنّ في ذلك لايات لقوم يتفكرون} في عملية تكامل وصولا إلى المبدأ ومفيض الوجود ولقد قدَّس الإسلام العمل واعتبره أساس تقدُّم الحياة ونهضة الأمم وسر الوجود بل إنَّ الإنسان كمخلوق استثنائي لا يخبر جوهره إلاّ بالسعي والكد والعمل فقال تعالى{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا} وقد أراد الله للإنسان أن يعيش في حركة دائبة وسباق مع الزمن في عملية استثمار للحياة واغتنام للفرص وأن ينمِّي في نفسه حسَّ الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس قبل أن يطوى سجل حياته ويصبح رهين عمله إذ "اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب بلا عمل" ليلاقي ثمرة كدِّه وسعيه فقال تعالى{وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأنَّ سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى} وقال تعالى:{يا أيها الإنسان إنَّك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} وكره له التثاقل والخنوع والخلود إلى الأرض مما يدل على أنَّ "..الطريق الوحيد للخلاص والنجاح في جميع المجالات إنَّما هو العمل لا غير وليست في الإسلام صيغ سحرية لكسب انتصارات سهلة ومغفرة سهلة". تاملات في قضايا الفكر والسياسة: فلا مجال للخنوع والتكاسل والعيش الذليل والرضا بالذل والهوان والله تعالى يقول {نودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون}(الاعراف :43) وما أصدق قول الشاعر إذ يقول: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا مما يؤكّد غرابة هذه المفاهيم وبعدها عن جوهر الإسلام الذي يؤكد على المحتوى بعيدا عن الشكل والمظهر. ليلة القدر وخصوصيات الزمن: والحديث عن ليلة القدر كظرف زمني يدفعنا إلى التساؤل عن معنى الزمان والمكان وموقعهما في مفهوم الرسالة فهل لهما بمعناهما الذاتي وخصوصيتهما الذاتية بحدود المكان الجغرافي وفي الإطار الزمني في امتداده أي محتوى أو معنى للقداسة؟.هل يقدّس الإسلامُ الزمان والمكان ؟ فإنَّنا لا نجد في التراث الديني أيَّة خصوصية للواقع الزمني والمكاني إلاّ بما هو ظرف ووعاء يحتضن الحدث فيكتسب الخصوصية فتكون له رمزيته على أساس ذلك ومن هنا نجد أنَّ القران الكريم قدَّم شهر رمضان ومن خلاله ليلة القدر لا كشهر للصيام والقيام بل كظرف استوعب ذاك الحدث العظيم والنور المبين وهو نزول القران الذي شكَّل نقطة تحوُّلٍ في مسيرة الإنسان فعرَّفه بذلك فقال {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القران هدى للناس} وقال تعالى {إنّا أنزلناه في ليلة مباركة إنّا كنَّا منذرين} فليس ارتباطنا بالمكان بامتداده في المساحة إلاّ بما تجسَّدَت في فضائه معاني القيم من هنا نحن مثلا لا نرتبط بكربلاء المكان إنَّما نرتبط بكربلاء الحدث والمعنى والقيمة والرمز فنقول "أشهد يا مولاي لقد طيب الله بك التراب" وهكذا غيرها من الأمكنة. في رحاب ليلة القدر: وكذلك هو ارتباطنا بليلة القدر من دون اختزال لكل قيمها الروحية والرسالية "وما يضاعفه الله للمؤمنين إذ لولا ذلك ما بلغوا" رحمة بالعمر القصير والكسب العليل ففي النصوص الصريحة من الكتاب والسنة ما يكفي للتعبير عن عظمتها وجلالة قدرها ما يعجز عنه الوصف والبيان فقال تعالى مكرِّرا إظهار اسمها مرة بعد مرة على نحو الاستفهام (بغرض التفخيم والتعظيم) فقال تعالى: {وما أدراك ما ليلة القدر} وفي روح المعاني "لما فيه دلالة على أنّ علوّها خارج عن دائرة الخلق لا يعلم ذلك ولا يعلم به إلاّ علاَّم الغيوب" إلاّ أنَّنا لا نستطيع أن نفصل ليلة القدر عن ذاك الحدث التغيري الشامل، لذلك فإنّها ميراث رباني نحاول من خلاله استرجاع بداياتنا الرسالية بكل قيمها وربطها بالحاضر، إنّها الحدث الزمني الذي يأخذ بيد الإنسان إلى أدراج الماضي لا للتقهقر والانكفاء بل للتواصل مع تاريخ ورسالة أوجدت أمة وخلقت حضارة، فحريٌّ بالبشرية أن تكون على موعد مع ذلك الحدث العظيم التي لم تشهد له مثيلا في كل امتداداتها في الزمن تخليدا لذكراه مع ما تركه من آثار وتحولات تركت بصماتها على مسيرة الإنسان كله فأفاض على ساحة الوجود نورا وهدى عمَّ الأكوان كلها قال الله تعالى : {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} مؤذناً أفول عهد حافل بالفظائع والمآسي ولهذا فإن أمكن للقلم أن يعطي تفصيلا عن حقيقة تلك الحقبة الزمنية المظلمة من تاريخ الإنسان المعذَّب قبل انبعاث الوحي وانبثاق النور الإلهي يمكن للكلمات أن تعطي تصوُّرا لعظمة تلك الليلة التي كان فيها انبعاث حياة لأمَّة وإشراقه نور وأمَلٍ وحُلُمٍ، راود الإنسان للانعتاق من عصور القهر والظلام. وهنا نترك المجال لعلي(ع) ليصف تلك المرحلة لندرك معنى ذاك التحول إذ يقول عليه السلام في وصف حال العرب قبل نزول الوحي "وأنتم معاشر العرب على شر دين وفي شر دار منيخون بين حجارة خشن وحيات صم تسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة "، وقال(ع) في موضع آخر :"بعثه والناس ضلال في حيرة وخابطون في فتنة قد استهوتهم الأهواء واستزلَّتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل" وبذلك تكون لليلة القدر رمزيتها وموقعها في امتداد الزمن... http://arabic.bayynat.org.






